حسن بن محمد القمي النيسابوري ( نظام الأعرج )

123

تفسير غرائب القرآن ورغائب الفرقان

« إياك نعبد » أبصرت به عالم الشريعة ، وإذا قلت « وإياك نستعين » أبصرت به عالم الطريقة ، وإذا قلت « اهدنا الصراط المستقيم » أبصرت به عالم الحقيقة وإذا قلت « صراط الذين أنعمت عليهم » أبصرت به درجات أرباب السعادات وأصحاب الكرامات ، وإذا قلت « غير المغضوب عليهم ولا الضالين » لاحظت دركات أهل التفريط والإفراط فإذا انكشفت لك هذه المقامات فلا تظن أنك قد بلغت الغايات بل عد إلى الإقرار للحق بالكبرياء ولنفسك بالهوان وقل « اللّه أكبر » ثم انزل من صفة الكبرياء إلى العظمة وقل « سبحان ربي العظيم » ثم انتصب ثانيا وادع لمن وقف موقفك وحمد حمدك وقل « سمع اللّه لمن حمده » فإنك إذا سألتها لغيرك وجدتها لنفسك فاللّه في عون العبد ما دام العبد في عون أخيه المسلم . ولا تكبير في هذا المقام لأن التكبير من الكبرياء والهيبة والخوف وهذا مقام الشفاعة ، ثم عد إلى التكبير وانحدر به إلى غاية العلو وقل « سبحان ربي الأعلى » لأن السجود أكثر تواضعا . روي أن للّه ملكا تحت العرش اسمه حزقيل . فأوحى إليه أيها الملك طر فطار ثلاثين ألف سنة ، ثم ثلاثين ألف سنة ، فلم يبلغ من أحد طرفي العرش إلى الثاني فأوحى اللّه إليه : لو طرت إلى نفخ الصور لم تبلغ إلى الطرف الثاني من العرش . فقال الملك عند ذلك : سبحان ربي الأعلى . أما فوائد السجدتين فالأولى الأزل والثانية الأبد ، والقعدة بينهما هي الدنيا ، فتعرف بأزليته أنه لا أول له فتسجد له ، وبأبديته أنه لا آخر له فتسجد له ثانيا . وأيضا الأولى فناء الدنيا في الآخرة ، والثانية فناء الآخرة في جلال اللّه تعالى ، وأيضا الأولى فناء الكل في أنفسها ، والثانية بقاؤها ببقائه ، وأيضا الأولى انقياد عالم الشهادة لقدرته ، والثانية انقياد عالم الأرواح لعزته أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ [ الأعراف : 54 ] وأيضا الأولى سجدة الشكر بمقدار ما أعطانا من معرفة ذاته وصفاته ، والثانية سجدة الخوف مما فاتنا من أداء حقوق كبريائه . وأيضا صلاة القاعدة على النصف من صلاة القائم فتواضع السجدتين بإزاء تواضع ركوع واحد ، وأيضا ليكونا شاهدين للعبد على أداء العبادة ، وأيضا ليناسب الوجود الأخذ من الوحدة إلى الكثرة ومن الفردية إلى الزوجية ، وأيضا الانتصاب صفة الإنسان والانحناء صفة الأنعام والجثوم صفة النبات . ففي الركوع هضم للنفس بمرتبة واحدة ، وفي السجود بمرتبتين ، ولعل ما فاتنا من الفوائد أكثر مما أدركنا . المنهج التاسع في اللطائف : عن النبي صلى اللّه عليه وسلم أن إبراهيم صلى اللّه عليه وسلم سأل ربه فقال : ما جزاء من حمدك ؟ فقال تعالى : الحمد للّه فاتحة الشكر وخاتمته . فقال أهل التحقيق : من هاهنا جعلها اللّه فاتحة كتابه وخاتمة كلام أحبائه في جنته وَآخِرُ دَعْواهُمْ أَنِ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [ يونس : 10 ] وعن علي عليه السلام أن أول ما خلق اللّه العقل من نوره المكنون ، ثم قال له : تكلم فقال : الحمد للّه فقال الرب : وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أعز عليّ منك . ونقل عن